انطلاقا
من المعطيات السابقة، يتبين لنا أهمية الموضوع، حيث أن الحاجة أصبحت أكثر إلحاحا
في تغيير مقاربة الدولة للجماعات الترابية كوحدات ترابية إدارية، إلى جماعات
اقتصادية تنافسية، تقوم بتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، وكأحد الشركاء
الرئيسيين للدولة، في المبادرات الكبرى وإنعاش الاستثمارات وحل المشاكل
الاجتماعية. وهكذا، فقد أصبحت الجماعات الترابية كقطب اقتصادي مهم، يساهم في دعم
الاقتصاد المحلي، وفاعل أساسي ليس فقط في مجال نفوذها، بل تعدتها إلى المشاركة في
المبادرات التنموية الكبرى، ويتعلق الأمر هنا بالمبادرة الملكية التي أطلق عليها
اسم "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، التي تهدف إلى تحسين الوضع
الاجتماعي للمواطنين سواء عن طريق التدخلات الميدانية أو عن طريق الدعم المالي.
تأسيسا
على ما سبق، وجدت الجماعات الترابية نفسها مدعوة لكي تتحمل مسؤولية التأسيس
لاقتصاد محلي والعمل على تنشيطه، لا سيما في ظل تراجع دور الدولة وتزايد دور السوق
في هيكلة المجال الاقتصادي، تحت تأثير تحولات في المرجعية والأنساق الاقتصادية
العالمية، حيث أضاف هذا الوضع الجديد
أعباء ومسؤوليات ومهاما جديدة على عاتق الجماعات الترابية، وتزايد الطلبات الاقتصادية
والاجتماعية الموجهة لها[5].
وفي
خضم هذه التطورات، كان لازما التوجه نحو التفكير في إصدار إطار قانوني جديد يواكب
ما تعرفه الجماعات الترابية من تحول، ويعطي للجماعات الحضرية والقروية صفة الجماعة
المقاولة للألفية الثالثة من جهة، ولتكون
الجماعة المقاولة بمثابة الإجابة الصحيحة عن إشكالية التنمية المحلية من جهة
ثانية. هذا ما تبين من خلال قانون 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي لسنة 2002،
والقانون 17.08 المعدل له الذي قارب المشرع المغربي من خلاله مجموعة من المفاهيم
الجديدة، تجسد مباديء سياسة القرب، وتؤسس لمرجعية الحكامة الجيدة، واضعا بذلك إطارا لتدبير مقاولاتي فعال[6] عبر المرافق العمومية المحلية.
إن
تدشين الميثاق الجماعي لسنة 2002 لعهد الجماعة الترابية المتدخلة من
خلال المرافق العمومية المحلية، يدخل ضمن الرؤيا الإستراتيجية والشمولية لتأمين تحقيق التنمية الاقتصادية
والاجتماعية. فالجماعة الترابية المتدخلة بما تحيل عليه من استثمار- في الموارد
المالية والبشرية-، تحديد الرؤيا الإستراتيجية، إنجاز مخطط استراتيجي، إدخال عنصر
الجودة على مستوى الخدمات، تسويق ترابي، الاشتغال بالتقنيات الحديثة للتنظيم
والتدبير والمراقبة،... الخ، ستمكن من رسم معالم المسار التنموي بشكل صحيح وتدبير
عصري وفعال[7]، سيمكن
من تجاوز الطريقة التقليدية لممارسة التدبير المحلي على مستوى الجماعات الحضرية
والقروية، التي لم تستطع النهوض بدورها التنموي، كما أن سبب تخلف جماعاتنا لا يرجع
بالدرجة الأولى إلى ضعف الوسائل – المالية والبشرية- وإنما يرجع إلى قصور الرؤيا
الإستراتيجية لدى المدبر المحلي، ثم إلى الكيفية التي يتم بها تصريف الشأن العام
المحلي. وعلى هذا الأساس، تقوم الجماعة المقاولة عن طريق المرافق العمومية المحلية
بانجاز مشاريع تنموية تدر عليها مداخيل مالية، تستفيد منها خزينة الجماعة، لكن لا
تتصرف فيها كتصرف التاجر أو المساهمين في الشركة التجارية، وإنما تعيد استثمارها
في مشاريع وأعمال أخرى لا يهتم بها القطاع الخاص لعدم مردوديتها الربحية.
ومن أجل تحديد مفهوم الجماعة الترابية المتدخلة، فإننا
لا نقصد بذلك أن تصبح الجماعة كالمقاولة بمفهومها الضيق، كون أن الجماعة تتوفر على
أهداف اجتماعية واقتصادية وثقافية محددة، وترمي إلى تحقيق الصالح العام، في حين أن
المقاولة لها هدف وحيد هو تحقيق الربح المادي. وبالتالي فان مفهوم الجماعة الترابية
المتدخلة يتجاوز المفهوم الشكلي للجماعة كجهاز، ليقوم بالتركيز على طبيعة النشاط
الذي تقوم هذه الأخيرة بمنظور مقاولاتي، أي ينظر إلى الكيفية التي يتم بها إنجاز
المهام الموكولة للجماعات الحضرية والقروية. فالجماعة الترابية المتدخلة هي تلك
الجماعة التي تتمكن من وضع وتحديد الرؤيا لتحقيق أهدافها التنموية في إطار مخطط
استراتيجي، بتوظيفها لمجموع الوسائل والآليات التدبيرية الحديثة التي تكفل النجاح
للمقاولة في القطاع الخاص، سواء من حيث نظامها الإداري والتنظيمي، أو من حيث
مواردها المالية ورأسمالها البشري.
إن ربح رهان الجماعة الترابية المتدخلة بواسطة المرافق
العمومية المحلية، يقتضي جعلها قابلة لتبني آلية الحكامة الجيدة في التدبير
المحلي. كما أن ربح هذا الرهان، يعتمد على مجموعة من الشروط الموضوعية – توفير
وتدبير الوسائل المالية والبشرية- والذاتية، وذلك من خلال الرفع من مستوى المنتخب
الجماعي، لأن الجماعة الترابية المتدخلة تحتاج إلى رئيس جماعي بمواصفات المقاول
الناجح، الذي يسهرعلى تسير جماعته بطرق حديثة وراقية في إطار التدبير التشاركي،
ومبرر ذلك كون الجماعة أصبحت تتعامل في إطار شراكات وتعاقدات مع مقاولات وشركات وطنية
وعالمية، والتدبير المفوض على سبيل المثال.
وتعتبر المحددات القانونية والبشرية والمادية، العنصر الأساسي للتدبير
المقاولاتي عن طريق المرافق العمومية المحلية،
وإضافة إلى ذلك، فإن الجماعة تحتاج إلى مقومات نوعية جديدة ترسخ الحكامة
الجيدة. ويمكن الإشارة على وجه الخصوص إلى الشفافية والتواصل والإدارة الالكترونية
وتبسيط المساطر الإدارية، كما تشكل الدعامات ذات الطبيعة الرقابية من بين
الإجراءات المهمة التي تساعد في تحقيق تدبير مقاولاتي فعال، حيث تسمح بتتبع وتقييم
العمل المحلي من حيث معرفة مظاهر القوة والضعف التي تمكن من تحديد مستوى أداء
الجماعة عن طريق المرافق العمومية المحلية.
تأسيسا على ما سبق،فان الاشكالية الرئيسية للموضوع تتحدد
فيما يلي
§
إلى أي حد يمكن الحديث
عن التدخلات الاقتصادية للجماعات المحلية عبر المرافق العمومية المحلية